عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري
195
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة
بالغ في الخسّة ، كالنّفط والقطران الذي يتسربل به ( 92 پ ) اخسّاء النّفوس . فانّ الخسيس أولى بالخسيس ، وخلقان القير والقار خليق بخلق غير ذي وقار . وإلى ما هو متوسّط بينهما ، كالذهب والفضّة وغيرهما . والنّفط يشتعل ( a 217 ) بالنار ، حتى يصير هو هي لشدّة استعداده للصلاء . كما سترى حال المجرمين يومئذ مقرّنين في الأصفاد ، سرابيلهم من قطران ، وتغشى وجوههم النار . والياقوت يتأبّى عن قبول النار لشدّة كمال صفائه ونقائه ، وبعده عن طبيعتها ، حتى لا يتأثّر عنها بوجه ما ، بل يخرج باردا سليما . كما كان جرم إبراهيم ، عليه السّلام ، حيث خرج من النار سلاما ، لكونه سليم القلب ، معلّم الكلب المخلوق من نار الغضب ولهب الشغب . واما الذّهب والفضّة فلا يشتعل كل واحد منهما مثل النفط ، ولا يخرج باردا مثل الياقوت ، بل على درجة متوسّطة ، وهي الذوبان . فوضح بهذا ان الجرم مهما كان اصفى ، كان أبقى ؛ ومهما كان اظلم ، كان افنى ، كما دريت في السّماويّات والارضيّات . وإذا عرفت هذا في الاجرام ، فاعرف مثله في النّفوس ، حتى ( م 144 پ ) انقسمت بحسب تأثيراتها ، كما انقسمت الاجرام بحسب تاثّراتها إلى كامل وناقص ومتوسّط ، حتّى ( b 217 ) يتعدّى تأثير بعضها إلى جميع عالم الأجسام ، كالنّار تحرق جميع عالم العناصر ، وتجعله لأشياء صرفا ، لقوّة استيلائه عليه ، بناء على قوّة صفائه واستعلائه . وإلى هذا التطبيق أشار قوله ، عليه السلام : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة » . ومثله قوله ، عليه السّلام مفصّلا : « العالم كالذّهب ، والمتعلّم كالفضّة » . ومثله قوله : « النّاس عالم ومتعلم ، وسائر الناس همج لا خير فيهم » . خصّ الانسانيّة بالعالم والمتعلّم ، وسمّى سائرهم همجا بهرجا ، وهو المغشوش من الدّراهم ، فهم ليسوا بناس ، بل كالنّاس الخنّاس ، لأنهم يخنسون عن الحق ، ويتقدّمون إلى الباطل . كما قال حكيم العرب : « يا أشباه الناس ، ولا ناس » . ونعم ما انشد في هذا المعنى : فجلّهم إذا فكرت فيهم * حمير أو كلاب أو ذئاب آخر : لم يبق من جلّ هذا الناس باقية * ينالها الوهم الا هذه الصّور